عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
472
معارج التفكر ودقائق التدبر
الأنداد : جمع « النّدّ » ، وهو المثل والنّظير والكفء . والاستفهام الدّاخل على الجملة المؤكّدة ب « إنّ واللام المزحلقة » استفهام فيه معنى التّعجّب من فريق من المعالجين ، ومعنى التوبيخ لفريق آخر منهم ؛ لأنّهم أدركوا الحقّ وعاندوه مصرّين على باطلهم من الشّرك والكفر باللّه الّذي خلق الأرض ، وخلق كلّ كائن في الكون من دونه جلّ جلاله وعظم سلطانه . أي : عجب لأمركم وأنتم أهل الرّأي والعقل والقدرة على إدراك الحقّ ، كيف تجعلون للّه الرّبّ خالق كلّ شيء في الكون أمثالا ونظراء وأكفاء في ربوبيّته وإلهيّته فتدعونهم وتعبدونهم من دونه ، وهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرّا . والعالمون منكم بهذه الحقيقة يستحقّون التّوبيخ والتثريب ، لمجافاتهم الحقّ الّذي يعلمونه ، اتّباعا لأهوائهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء . وجاء في هذا التعليم أنّ اللّه خلق الأرض بتكوينها الأساسيّ في يومين ، أي : في حقبتين زمنيّتين اللّه يعلم مقدارهما ؛ لأنّ لفظ يوم قد جاء في القرآن مستعملا للدّلالة على أزمان متفاوتة تفاوتا عظيما ، حتّى الآخرة الّتي لا نهاية لزمنها أطلق عليها أنّها يوم الدّين . وجاء في القرآن بيان أنّ الأرض والسّماوات كانتا رتقا مجتمعتين ففتقهما اللّه ، فيدلّ هذا على أنّ الكون كان بخلق اللّه كتلة غازيّة ملتهبة ، ففصل اللّه عزّ وجلّ كتلة الأرض ، وجعلها خلال حقبتين من الزمان تبرد من جهة أعلاها ، ويبقى باطنها سائلا ناريّا نافعا ، ودليلا يدلّ على ما كانت عليه ، ولمّا برد أعلاها صار صخورا وترابا ومعادن ونحو ذلك ، مهيّأ للإنبات والإقامة والسّكنى والانتفاع بكنوزها من قبل النّاس وأعمالهم ومبانيهم ومصانعهم ومبتكراتهم .